skip to Main Content
هاتف: 00905319643191 ايميل: info@awalamarah.com

لماذا يصعب اتخاذ قرار بالتوجه للعلاج النفسي لدى أفراد المجتمع؟

كثيرا ما يتردد الشخص بالتوجه لتلقي العلاج النفسي سواء أكان إلى الطبيب النفسي أو مستشارا نفسيا، وقد يمكث الشخص لبضعة شهور واحيانا سنوات وهو متردد بشأن تلقي المساعدة ويحاول من خلال طرق أخرى غير العلاج النفسي، ثم يصل إلى رحلة العلاج متأخرا قليلا ويتفاجأ بأن الأمر كان أسهل بكثير من كل تلك التوقعات التي بناها حول هذا الأمر، وبأن العلاج النفسي كان كفيلا بإنهاء معاناته منذ البداية بكل بساطة لو أنه  اتخذ ذلك القرار.

ومن أسباب تردد الأشخاص باتخاذ قرار اللجوء للمساعد النفسية عدة عوامل، منها:

أولاً : نظرة المجتمع أو ما نسميه (الوصمة الاجتماعية):

حيث تتفق معظم شرائح المجتمع للأسف على أن الأمر غير مهم وبأن الشخص الذي يحبونه لا يجدر به الدخول إلى هكذا مكان (العيادة النفسية)، ويرى البعض للأسف بأن ذلك أمر مخجل اجتماعيا، كما ويخفون الأمر عن الجميع، ولا أحد يعترف لأحد بأنه زار طبيبا نفسيا، فتخيل مثلا بأن أحدهم يقول للآخرين: (أنا متعب قليلا مؤخرا ولا أستطيع العمل لأن الوسواس القهري قد أثر عليّ!) فلا يوجد من يفعلها غالبا.

ثانياً : عدم معرفة ماذا يوجد لدى الطبيب النفسي أو الاستشاري النفسي والتنشئة الاجتماعية:

فعليا نحن لا نتلقى في تربيتنا ونشأتنا الاجتماعية أو نسمع حتى عن كيف يمكن للمتخصص النفسي تغيير شيء لدينا، بينما نحن تعودنا  بأن آباءنا وأمهاتنا في الطفولة يقومون بحله بالصراخ على الطفل أو إهمال معاناته أو الالتفاف على شكواه، فحين نصبح كبارا نعتقد أننا مثل كل مرة قادرون على تجاوز الأزمة بتلك الوسائل المستخدمة، ويبدأ الجميع بتوجيه إرشادات مشابهة للشخص الذي يعاني من مشكلة ما، مثل أهمل تلك المشاعر ولا تسمع صوتها، اشغل نفسك، أو قوي ايمانك، أو باستخدام الضغط على الشخص الذي يعاني مثل لومه والتقليل من مشاعره واستهجانها بل وإنكارها، وبالتالي فإن المجتمع والأفراد المحيطين بالشخص الذي يعاني، وكذلك الشخص صاحب المشكلة نفسه يعتقدون أن تلك الأدوات كافية لحل المشكلة، وبأن الطبيب أو الاستشاري النفسي لن يكون ما لديهم خدمة أفضل من ذلك مثلا، لدرجة أن بعضهم يقول عند الحضور للجلسة العلاجية: “هل أنا سأتكلم وأنت تسمعني وهذا فقط؟!” وكأن لديه خوف من عدم وجود أدوات لدى مقدم الخدمة العلاجية.

ثالثاً : إنكار المشكلة وعدم الاعتراف بها :

على المستوى الذاتي أي بين الفرد ونفسه، وحتى على مستوى المحيطين، ونحن نتعلم هذا الأسلوب منذ طفولتنا، حين نواجه مشاعر غير جيدة، فيطالبنا الكبار (الأبوين مثلا) بأن نظهر مشاعر أخرى وينكرون حقيقة ما نشعر به وبأنه ليس صحيحا وبأننا أفضل من ذلك الشعور، وحين ننجح في إخفاء ذلك الشعور نتلقى تعزيز وتشجيع لأننا أظهرنا عكس الحقيقة بوجود الألم، وهم برأيهم ذلك بأن ذلك أفضل، هذه الطريقة الانفعالية تجعل الأفراد يعانون من مشاكل قد تطول أحيانا دون أن يعترفوا بها، ويستمرون في توريتها إلى أن تسيطر عليهم بشكل كامل ويعجزوا عن إخفائها أكثر!

رابعاً : قناعات خاطئة حول تناول الأدوية التي يصفها الطبيب النفسي :

يحمل المجتمع قناعات خاطئة حول العلاجات الدوائية النفسية بل ويبالغ فيها، وهي في الحقيقة أدوية لها آثارها الجانبية، ولكنها تكون ضرورية جدا مثل كل الأدوية حين الضرورة، وحين تسمع الشخص الذي لديه مشكلة أو أثناء نقاشات المجتمع، فإن الحديث عن الدواء يكون وكأنه مصيبة عظيمة أو أنه وحش مؤذي لمن يتناوله، فالمشكلة إذن بالتضخيم، وهذا جعل الكثير من الأفراد يبقون في قائمة انتظار حل المشكلة مع خوف شديد من الدواء وتأخير علاجهم.

خامساً : الاعتقادات المشوشة والخاطئة حول تأثير العين والحسد والسحر:

ورغم وجود هذه الأمور وأثرها، إلا أن الكثير من الأفراد تركوا كل أسباب المشكلات وتجاهلوها، وجعلوا العين والحسد والسحر هو الأسباب في حالتهم، حتى لو كانت على شكل مرض كذلك، وهذا ساهم في الدوران في فلك من يدعون بأنهم يقدمون علاجا للسحر شهور وسنوات دون حل للمشكلة، وما ساهم في تضخم هذه المشكلة أنه يتم ربطها بالدين بشكل مباشر وبالتالي يصعب زعزعة هذه القناعات وتوعية الشخص بأنه يوجد هنالك حل مناسب لأجله ممكن ومتيسر في الاستشارة النفسية.

سادساً : الفهم الخاطئ للدين:

وقد واجهت في عملي عشرات القضايا الدينية التي فهمت خطئا وأدت إلى اضطراب نفسي أو مشكلة اجتماعية عميقة، وحين تكون المشكلة باسم الدين فيصعب تغييرها حتى يتمكن من لديه علم بها من تغييرها، وقد توجهت يوما للمفتي الشرعي ومعي مجموعة أسئلة في أحكام دينية متراكمة عندي كي أتأكد من أحكامها، وجميعها كانت سببا في معاناة نفسية يفرضها الشخص على نفسه باسم الدين.

 

سابعاً : الوعي الجمعي للمجتمع :

وهو أشبه ما يكون بحالة (الكتمان الجماعي)، فلا أحد يعترف أمام غيره باحتياجه للمشورة النفسية أو العلاج النفسي، وبالتالي هذا يقلل من فرص فهم المجتمع للأعراض النفسية أو حل المشكلات، وقد يكون الشخص حاصل على شهادات عليا أو طبيبا (للجسد) ولكنه لم يتوقع أن يجد علاجه بتناول دواء نفسي أو الحصول على جلسات نفسية، فيفاجئ الشخص بأن لديه حلا لم يفكر فيه بتاتا ولم يخطر على باله، ويقولها بصراحة: “لو كنت أعرف لأتيت، ولكني لم أعرف بهذا من قبل!” وهذا يضع مسؤولية كبيرة على مقدمي الخدمات النفسية بالتوعية بكافة الوسائل والسبل التي ترفع من وعي المجتمعات بالعلاج النفسي.

ثامناً : صعوبة الالتزام والحاجة إلى الحل السريع :

فلدى الإنسان عجلة في طبيعته، وهذا يجعله لا يحتمل مثلا فكرة أن الدواء يحتاج إلى وقت كي يعطي أثره الصحيح، وبأنه سيلتزم بجلسات نفسية دون نتيجة في البدايات، ويعتقد بأن مجرد وصوله للعلاج أو الاستشارة ستنحل المشكلة التي تراكمت عبر سنوات! وهذا لا يحصل، فبمجرد أن يفهم بقضية الوقت الذي يحتاجه العلاج يتراجع ولا يتوجه لتلقيه.

هذه بعضٌ من الأسباب التي تمنع الشخص أو تجعله يعاني ويفكر كثيرا قبل التوجه للعلاج النفسي وطلب المساعدة، وفي الوضع السليم فالأصل بأن هذا القرار يكون سهلا وبسيطا مثل التوجه للعلاج عند وجود أعراض جسدية، ويحتاج المجتمع إلى الوعي الكافي كي يتخلص من معيقات الحصول على العلاج النفسي.

أ. علا ادعيس

This Post Has 2 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top